ابن أبي مخرمة
145
قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر
ابن الإخشيذ . . أنف فاتك من الإقامة بمصر ؛ كيلا يكون كافور أعلى رتبة منه ، ويحتاج إلى أن يركب في خدمته ، وكانت الفيوم وأعمالها إقطاعا له ، فانتقل إليها واتخذها سكنى له ، وهي بلاد وبيئة كثيرة الوخم « 1 » ، فلم يصح له بها جسم ، وكان كافور يخافه ويكرمه ؛ فزعا منه ، وفي نفسه منه ما فيها ، فاستحكمت العلة في جسم فاتك ، وأحوجته إلى الدخول إلى مصر للمداواة ، فدخلها وبها المتنبي ضيفا للأستاذ كافور ، وكان يسمع بكرم فاتك وكثرة سخائه ، غير أنه لا يقدر على قصد خدمته ؛ خوفا من كافور ، وفاتك يسأل عنه ويراسله بالسلام ، فالتقيا في الصحراء مصادفة من غير ميعاد ، وجرى بينهما مفاوضات ، فلما رجع فاتك إلى داره . . حمل للمتنبي من ساعته هدية قيمتها ألف دينار ، ثم أتبعها بهدايا بعدها ، فاستأذن المتنبي كافورا في مدحه ، فأذن له ، فمدحه بقصيدة من غرر القصائد أولها : [ من البسيط ] لا خيل عندك تهديها ولا مال * فليسعد النطق إن لم يسعد الحال وما أحسن قوله فيها : كفاتك ودخول الكاف منقصة * كالشمس قلت وما للشمس أمثال « 2 » توفي فاتك بعد خروج المتنبي من مصر في سنة خمسين وثلاث مائة ، ولما بلغ المتنبي وفاته . . رثاه بقصيدة أولها : [ من الكامل ] الحزن يقلق والتّجمّل يردع * والدمع بينهما عصيّ طيّع إني لأجبن من فراق أحبتي * وتحسّ نفسي بالحمام فأشجع ويزيدني غضب الأعادي قسوة * ويلمّ بي عتب الصديق فأجزع تصفو الحياة لجاهل أو غافل * عمّا مضى منها وما يتوقّع ولمن يغالط في الحقائق نفسه * ويسومها طلب المحال فتطمع « 3 » 1584 - [ قاضي الحرمين ] « 4 » أبو الحسين أحمد بن محمد النيسابوري ، شيخ الحنفية ، وقاضي الحرمين في عصره .
--> ( 1 ) الوخم : شيء وخم ؛ أي : وبيء ، وبلدة وخمة إذا لم توافق ساكنها . ( 2 ) « ديوان المتنبي » ( 3 / 276 ) . ( 3 ) « ديوان المتنبي » ( 2 / 268 ) . ( 4 ) « الجواهر المضيّة » ( 1 / 284 ) ، و « سير أعلام النبلاء » ( 16 / 25 ) ، و « تاريخ الإسلام » ( 26 / 50 ) ، و « العبر » ( 2 / 296 ) ، و « شذرات الذهب » ( 4 / 269 ) .